الراغب الأصفهاني

372

الذريعة إلى مكارم الشريعة

وكذا الغضب إذا كان فوق ما يجب ، ولكون هذه القوة في الإنسان إذا أثيرت طريقا للشيطان في وصوله إلينا ، وكونها كالخليفة له سمّاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم باسمه فقال : « الهوى شيطان والغضب شيطان » « 1 » وقال تعالى حكاية عن موسى : هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ « 2 » . وأما الظاهر من الأعداء فالإنسان ، وذلك ضربان : ضرب هو عدو مضطغن للعداوة ، قاصد إلى الإضرار إما مجاهدة وإما مساترة ، وذلك اثنان : واحد يعادي كل أحد ، وهو كل إنسان سبعي الطبع ، خبيث الطينة ، مبغض لكل من لا يحتاج إليه في العاجل ، بغيض إلى كل نفس ، يهارش كل من لا يخافه ، كما قال الشاعر : يسطو بلا سبب وتلك طبيعة الكلب العقور ومثله هو الذي عني بقوله تعالى : شَياطِينَ الْإِنْسِ « 3 » والثاني : عدو خاص العداوة ، وذلك إما بسبب الفضيلة والرذيلة كمعاداة الجاهل للعاقل ، وإما بسبب تجاذب نفع دنيوي كالتجاذب في رئاسة وجاه ومال ، وإما بسبب لحمة وقرابة أو مجاورة مورثة للحسد كمعاداة بني الأعمام بعضهم لبعض ، وذلك في كثير من الناس كالطبيعي . وقد قال رجل لآخر إني أحبك . فقال له : قد علمت ذلك . فقال له : من أين علمته ؟ فقال : لأنك لست لي بشريك ولا بنسيب ولا جار قريب ، وأكثر المعاداة بين الناس إنما تتولد من شيء من ذلك .

--> ( 1 ) رواية أحمد في مسنده « إن الغضب من الشيطان ، وإن الشيطان خلق من النار ، وإنما تطفأ النار بالماء ، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ » مسند أحمد / 4 / 226 . ( 2 ) القصص / 15 . ( 3 ) الأنعام / 112 .